منير سلطان
155
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
هذا هو المبحث البلاغي من جهود الجرجاني في نظرية الاعجاز ، وإعجاز القرآن عنده ، في نظم القرآن الكريم ، ذلك النظم القائم على النحو ومعانيه المعتمد على الجانب العقلي الجانح إلى المجال النفسي ، وإلى مدى استيعاب القارئ لهذه الدّرر . فكرا واستمالة نفسية ، فيكتمل بذلك البناء الذي أراده الجرجاني في النظم . نظرية النظم لها بذور سلفية : إن استقصاء سريعا لما كتبه السابقون للجرجاني ، سيد لنا على أنهم تنبّهوا لنظرية النظم ، وتكلموا فيها ، وبخاصة النحويون حين عالجوا قضايا النحو ، ولم تقم نظرية عبد القاهر إلا على النحو . أقول : إن النحو قبل عبد القاهر كان بسبيل من العناية بالنظم ، إلى جانب الاعتناء بأواخر الكلمات ، وان كانت هذه أوضح وأغلب ، فلم يفت سيبويه أن يشير إلى الاشتقاق والإمالة في الكلام يقول « هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة » : فمنه مستقيم حسن محال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب ، فأما المستقيم فقولك « أتيتك غدا وسآتيك أمس » وأما المستقيم الكذب ، فقولك : حملت الجبل ، وشربت ماء البحر ، ونحوه ، وأما المستقيم القبيح ، فأن تضع اللفظ في غير موضعه ، نحو قولك قد زيدا رأيت ، وكي زيدا يأتيك ، وأشباه هذا . فأما المحال الكذب ، فأن تقول سوف أشرب ماء البحر أمس « 1 » كما تحدث عن الابتداء الذي جاء في الدلائل « 2 » ويصح تقديم خبر كان على اسمها ويصح تأخيره قال سيبويه « والتقديم هاهنا والتأخير فيما يكون ظرفا أو يكون اسما في العناية والاهتمام ، مثله فيما ذكرت لك في باب الفاعل والمفعول ، وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربى جيد كثير ، فمن ذلك قوله عز وجل « لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » ، وأهل الجفاء من العرب يقولون : لم يكن كفوا له أحد ، كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرّة » « 3 »
--> ( 1 ) سيبويه - الكتاب - 1 / 25 و 26 . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 73 . ( 3 ) سيبويه - الكتاب - 1 / 56 .